ابن عجيبة
205
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ حواء الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما من ثمارها ، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ؛ التين أو العنب أو الحنطة ، فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ لأنفسكما بمخالفتكما ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي : فعل الوسوسة لأجلهما ، وهو الصوت الخفي ، لِيُبْدِيَ أي : ليظهر لَهُما ما وُورِيَ أي : ما غطى عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي : عوراتهما ، واللام : للعاقبة ، أي : فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ، ولا أحدهما من الآخر . وفيه دليل على أن كشف العورة ، ولو عند الزوج من غير حاجة - قبيح مستهجن في الطباع . وَقالَ لهما : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كراهية أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ . واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء ، وجوابه : أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب ، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن الطعام والشراب ، فيمكن لهما الخلود في الجنة ، ولذلك قال : أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الذين يخلدون في الجنة . ويؤخذ من قوله تعالى : ما نَهاكُما رَبُّكُما ، أن آدم عليه السّلام لم يكن ناسيا للنهي ، وإلا لما ذكره بقوله : ما نَهاكُما رَبُّكُما ، وقوله في سورة طه : فَنَسِيَ ، أي : نسي أنه عدو له ، ولذلك ركن إلى نصيحته ، وقبل منه حتى تأول أن النهى عن عين الشجرة لا عن جنسها ، فأكل من جنسها ؛ رغبة في الخلود ، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط . ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة ، وإنما قصد إسقاطهما من مرتبتهما ، وإبعادهما كما بعد هو ، فلم يبلغ قصده ولا أدرك مراده ، بل ازداد سخينة عين ، وغيظ نفس ، وخيبة ظن . قال اللّه تعالى : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى « 1 » ، فصار عليه السّلام خليفة لله في أرضه ، بعد أن كان جارا له في داره ، فكم بين الخليفة والجار ؟
--> ( 1 ) الآية 122 من سورة طه .